ابن قيم الجوزية
631
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وفراسة المتفرس تتعلق بثلاثة أشياء : بعينه . وأذنه . وقلبه . فعينه للسيماء والعلامات ، وأذنه للكلام وتصريحه وتعريضه ، ومنطوقه ومفهومه ، وفحواه وإشارته ، ولحنه وإيمائه ونحو ذلك . وقلبه للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيه ، فيعبر إلى ما وراء ظاهره ، كعبور النقاد من ظاهر النقش والسكة إلى باطن النقد والاطلاع عليه هل هو صحيح ، أو زغل ؟ وكذلك عبور المتفرس من ظاهر الهيئة والدّلّ ، إلى باطن الروح والقلب ، فنسبة نقده للأرواح من الأشباح كنسبة نقد الصيرفي ينظر للجوهر من ظاهر السكة والنقد . وكذلك نقد أهل الحديث . فإنه يمر إسناد ظاهر كالشمس على متن مكذوب . فيخرجه ناقدهم ، كما يخرج الصيرفي الزغل من تحت الظاهر من الفضة . وكذلك فراسة التمييز بين الصادق والكاذب في أقواله وأفعاله وأحواله . وللفراسة سببان : أحدهما : جودة ذهن المتفرس ، وحدة قلبه ، وحسن فطنته . والثاني : ظهور العلامات والأدلة على المتفرّس فيه ، فإذا اجتمع السببان لم تكد تخطىء للعبد فراسة ، وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة . وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر : كانت فراسته بين بين . وكان إياس بن معاوية من أعظم الناس فراسة ، وله الوقائع المشهورة ، وكذلك الشافعي رحمه اللّه ، وقيل : إن له فيها تآليف . ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - أمورا عجيبة . وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم ، ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما . أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة ، وأن جيوش المسلمين تكسر ، وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام ، وأن كلب الجيش وحدته في الأموال وهذا قبل أن يهمّ التتار بالحركة . ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم ، وأن الظفر والنصر للمسلمين ، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا . فيقال له : قل إن شاء اللّه . فيقول : إن شاء اللّه تحقيقا لا تعليقا . وسمعته يقول ذلك . قال : فلما أكثروا علي . قلت : لا تكثروا . كتب اللّه تعالى في اللوح المحفوظ : أنهم مهزومون في هذه الكرة ، وأن النصر لجيوش الإسلام « 1 » قال : وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو . وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر . ولما طلب إلى الديار المصرية ، وأريد قتله - بعد ما أنضجت له القدور ، وقلّبت له الأمور - : اجتمع أصحابه لوداعه . وقالوا : قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك . فقال : واللّه لا يصلون إلى ذلك أبدا . قالوا : أفتحبس ؟ قال : نعم ، ويطول حبسي . ثم أخرج وأتكلم بألسنة على رؤوس الناس . سمعته يقول ذلك .
--> ( 1 ) وهل اطلع على ما في اللوح المحفوظ ؟ فلعله كان يقصد بتلك الجرأة في القول : تشجيعهم وتقوية روحهم المعنوية . فإن هذا من أقوى أسباب النصر على الأعداء .